الطبراني

12

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

( فهذا يدلّ على أن ترتيب الآيات في كلّ سورة كان توقيفيا . ولمّا لم يفصح النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادا منه رضي اللّه عنه . ونقل صاحب الإقناع أن البسملة لبراءة ثابتة في مصحف ابن مسعود ) « 1 » ، وروى أن الصحابة كانوا يحتفظون بمصاحف على ترتيب في السور مختلف مع عدم الاختلاف في ترتيب الآيات ، فمصحف ابن مسعود على غير تأليف العثماني من حيث ترتيب السور ، وكان أوّله الفاتحة ثم البقرة ، ثم النساء ثم آل عمران ، بعكس العثماني فترتيبه الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم النساء . ولم يكن أيّ منهما على ترتيب النّزول . ويقال إنّ مصحف عليّ كان على ترتيب النّزول أوله ( إقرأ ) ثم ( المدثر ) ثم ( ن والقلم ) ثم ( المزمل ) ثم ( تبت ) ثم ( التكوير ) ثم ( سبح ، ) وهكذا إلى آخر المكّي ثم المدنيّ . وهذا كله يدلّ على أن ترتيب السّور بالنسبة لبعضها كان باجتهاد من الصحابة « 2 » . ولذلك كان ترتيب السّور في القراءة ليس بواجب في التلاوة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التعليم ، بدليل أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ في صلاته في الليل بسورة النساء قبل آل عمران ، عن صلة بن زفر عن حذيفة رضي اللّه عنه قال : صلّيت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة ، فافتتح البقرة ؛ فقلت يركع عند المائة ، ثمّ مضى ؛ فقلت : يصلّي بها في ركعة ؛ فمضى . فقلت : يركع بها ؛ ثمّ افتتح النّساء ، فقرأ ثمّ افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا ، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح ، وإذا مرّ بسؤال سأل ، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ ، ثمّ ركع فجعل يقول : [ سبحان ربي العظيم ] فكان ركوعه نحوا من قيامه ، ثمّ قال :

--> ( 1 ) ينظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري : ج 9 ص 51 ؛ شرح الحديث ( 4994 ) من كتاب فضائل القرآن ، وفيه : ( قال : ولا يؤخذ بها ) . ( 2 ) ينظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري : ج 9 ص 50 . قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن : ج 2 ص 262 : وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة من أحسن الترتيب ؛ وهو ترتيب المصحف العثماني ، وإن كان مصحف عبد اللّه بن مسعود قدّمت فيه سورة النساء على آل عمران ؛ وترتيب بعضها بعد بعض ليس هو أمرا أوجبه اللّه ، بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم ؛ ولهذا كان لكل مصحف ترتيب ، ولكن ترتيب المصحف العثماني أكمل .